محمد أبو زهرة

1543

زهرة التفاسير

وإن هذا الكلام يدل على وجوب إعلان الحقائق الدينية والدعوة إليها ، ومجابهة مخالفيها بإثم المخالفة ، ومن أحسن ما قرأت في ذلك ما قاله الزمخشري في التعليق على هذا : ( كفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس ، وألا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد ، من تسهيل على الظلمة ، وتطييب لنفوسهم ، واستجلاب لمسارّهم ، أو لجرّ منفعة وحطام دنيا ، أو لتقية ، أو لبخل بالعلم وغيره من أن ينسب إلى غيرهم ، وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار » « 1 » . لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا هذا وصف آخر لليهود في ماضيهم ، وفي حاضرهم ، فهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، ويفرحون بما أتوا ، وتلك طبيعة الضال دائما ، فالضال يفرح بكل ما يعمله ، ويزين له سوء عمله فيراه حسنا ، ويحب أن يحمد بما لم يفعل ، فيدعى لنفسه من المحاسن ما شاء ، وينكر محاسن غيره . والنهى موجه للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو نهى مؤكد عن حسبان الخير فيهم فالتأكيد في قوله تعالى : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ هو تأكيد للنهي ، وليس بتوكيد للظن ، فليس النهى منصبا على الظن المؤكد ، وغيره لا يكون منهيا عنه ، بل التوكيد هو لأصل النهى ، أي ينهى اللّه سبحانه وتعالى نبيه نهيا مؤكدا عن أن يظن فيهم خيرا ، أو يصيبهم خير ، و « تحسب » لها مفعولان أصلهما مبتدأ وخبر ، والمفعول الأول هو ( الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ) إلى آخره ، والمفعول الثاني محذوف دل عليه ما بعده ، وتقدير الكلام هكذا : ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا موفقين أو مهتدين ، أو صالحين ، وحذف لدلالة ما بعده عليه ، وليذهب العقل كل مذهب فيما يتناسب مع الوصف الذي وصفهم سبحانه به ، وهو أنهم يزينون أعمالهم ، ويرغبون في المدح الكاذب ، فإن ذلك هو الضلال البعيد ، وليرتب السامع عليه ما شاء من عدم الهداية وعدم التوفيق ، والبعد عن الخير والنفع ، فكل ذلك وغيره يتضمنه الكلام المحذوف .

--> ( 1 ) رواه ابن ماجة : المقدمة ( 261 ) عن أبي سعيد الخدريّ . كما رواه أحمد : مسند المكثرين ( 10082 ) عن أبي هريرة .